There is so much beauty when eyes lay lost in all the city lights

أعشق المدن التي تعرف كيف تزين نفسها وترقص فرحاً لاستقبال الليل ببهجة وسعادة.. فمن زار القاهرة و بيروت وعمّان يدرك جيداً روعة حياة الليل في هذه المدن العريقة.. فحياة الليل لا تقتصر على المراقص والبارات كما في أوروبا.. بل نجدها متوفرة في كل شارع وكل سوق و كل مكان من حولك.. فالشوارع مزدحمة بالناس و السيارات.. والأسواق تبتهج لاستقبال الناس حتى منتصف الليل.. والمطاعم والمقاهي لا تتوقف عن تقديم القهوة والأراجيل لروادها.. وهناك الكثير من العشاق يجلسون على نواصي الطرقات يتبادلون قبلات سريعة على وهج أضواء الشوارع الخافتة.. والأطفال يركضون ويتدافعون من حولك بمرح وأصوات ضحكاتهم تضفي البهجة في كل مكان.. تشعر وكأنك في احتفال مباشر.. الجميع مبتهج وحركة الحياة مستمرة.. والجميع يعرف كيف يجعل سهرته مميزة وجميلة برفقة الأصدقاء و الأحبة.
في اسطنبول .. عشت كل ذلك ورأيت روعة قضاء الليل حتى ساعات الليل المتأخرة.. فأضواء المدينة المتلألىة تزين الشوارع و الجسور والمساجد بألوان متناغمة.. والناس تسير من حولك بكثرة.. و وسائل المواصلات لا تهدأ لثانية واحدة.. ففي كل موقف باصات أو عبارات تجد صفاً طويلاً من الناس يقفون منتظرون أدوارهم.. كل يسير نحو وجهة مختلفة .. و نسمة الهواء العليلة تلامس وجنتيك برقة شديدة .. حينها فقط يكتنفك احساس عارم لاستنشاق الهواء عميقاً لعلك تخطف شيئاً من جمال هذه المدينة الآسر.

في أول ليلة قررنا أن نقطع البسفور بالليل وأن نسير على الكورنيش ونحتسي القهوة التركية ذات المذاق الرائع.. فاخترنا إحدى العبارات البحرية التي انطلقت من ميناء كبتاش وسارت بروية تجاه منطقة كورنيش الاسكودار.. منذ أن بدأت العبارة المسير وأضواء جسر البسفور المتلألئة تزداد جمالاً كلما اقتربنا منه.. وعلى امتداد نظرك يستقبلك كورنيش الاسكودار بزينة مبهجة وكأنه أم ترقص فرحاً لعودة ابنها الغائب عنها منذ وقت طويل.. الجميل بالأمر أن اليوم الذي اخترنا فيه زيارة الاسكودار كان هناك احتفالاً وطنياً يعظمه الأتراك يسمى يوم النصر Zafer Bayrami.. وعند وصولنا للكورنيش سمعنا أنغام الأغاني الوطنية تملأ الكورنيش وتثير الحماس الوطني بين الناس الذين تدافعوا لمشاهدة الاحتفال.. وكل واحد منهم يحمل بيده العلم التركي ويهتفون لتحيا بلادهم.. حتى الصغار وضعوا العلم التركي على أكتافهم وكأنهم يتخيلون أنفسهم سوبرمان الذي سيطير بعدما وضع الرداء على كتفيه.. وبعد ذلك بدأت الألعاب النارية تنطلق في سماء اسطنبول وضحكات الناس وفرحتهم لرؤية الألعاب النارية كانت في غاية الحماس والروعة.. المكان كان صاخباً والجميع يتراقص طربا على أنغام الأغاني العالية.

بعد انتهاء عروض الألعاب النارية .. قررنا المسير في الأسواق التي بدأت تغلق أبوابها فالوقت قد شارف على منتصف الليل..ولكنهم لا يمانعوا في استقبال الزوار وتقديم المساعدة لهم.. وأخيراً عدنا إلى الكورنيش الذي عاد لهدوئه بعد انتهاء الاحتفال الوطني وجلسنا على إحدى البسطات المطلة على البحر وكان قصر الفتاة على موازاته.. كان المكان مكتظاً بالناس وكل شخص يطلب ما يستهويه.. فالبعض يطلب القهوة والغالبية تتسابق على طلب الشاي التركي.. والبعض يطلب بعض المثلجات وهناك من يفضل تناول المكسرات والموالح.. الجميع كان يجلس مسترخياً مستمتعاً برؤية أضواء المدينة المتوهجة .. وهناك من اتخذ من موبايله رفيقا له.. وهناك من اكتفى بالشرب والغرق في أحلامه.
